القرطبي
164
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فهم يؤمنون أن لهم ربا قادرا يجازي على الأعمال ، فهم يخشونه في سرائرهم وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس ، لعلمهم باطلاعه عليهم ، وعلى هذا تتفق الآي ولا تتعارض ، والحمد لله . وقيل : " بالغيب " أي بضمائرهم وقلوبهم بخلاف المنافقين ، وهذا قول حسن . وقال الشاعر : وبالغيب أمنا وقد كان قومنا * يصلون للأوثان قبل محمد الرابعة - قوله تعالى : ( ويقيمون الصلاة ) معطوف جملة على جملة . وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها ، على ما يأتي بيانه . يقال : قام الشئ أي دام وثبت ، وليس من القيام على الرجل ، وإنما هو من قولك : قام الحق أي ظهر وثبت ، قال الشاعر : * وقامت الحرب بنا على ساق * وقال آخر : وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا * حتى تقيم الخيل سوق طعان وقيل : " يقيمون " يديمون ، وأقامه أي أدامه ، وإلى هذا المعنى أشار عمر بقوله : من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع . الخامسة - إقامة الصلاة معروفة ، وهي سنة عند الجمهور ، وأنه لا إعادة على تاركها . وعند الأوزاعي وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى هي واجبة وعلى من تركها الإعادة ، وبه قال أهل الظاهر ، وروى عن مالك ، واختاره ابن العربي قال : لان في حديث الأعرابي ( وأقم ) فأمره بالإقامة كما أمره بالتكبير والاستقبال والوضوء . قال : فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث فقد تعين عليكم أن تقولوا بإحدى روايتي مالك الموافقة للحديث وهي أن الإقامة فرض . قال ابن عبد البر قوله صلى الله عليه وسلم : ( وتحريمها التكبير ) دليل على أنه لم يدخل في الصلاة من لم يحرم ، فما كان قبل الاحرام فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا على شئ فيسلم للاجماع كالطهارة والقبلة والوقت ونحو ذلك . وقال بعض علمائنا : من تركها عمدا أعاد الصلاة ، وليس ذلك لوجوبها إذ لو كان ذلك لاستوى سهوها وعمدها ، وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن ، والله أعلم .